خالد برادة
خالد برادة أستاذ باحث بكلية العلوم بالرباط، جامعة محمد الخامس بالمغرب. يشغل منصب مدير كرسي الإيسيسكو للتعليم المفتوح كان يتولى كرسي اليونسكو المخصّص لتدريس الفيزياء من خلال المقاربة التطبيقية. راكم تجربة علمية متميزة تجمع بين البحث الأساسي وتطوير الابتكار التربوي، حيث ساهم في تأليف ونشر أكثر من مائة مقال علمي ومؤلَّف أكاديمي. كما شارك في العديد من المؤتمرات الدولية وعضوية لجان علمية متخصصة. ويُعد من الفاعلين البارزين في تصميم وتنسيق المشاريع العلمية والتربوية على الصعيدين الوطني والدولي. وتركّز أبحاثه الراهنة على ديداكتيك العلوم، والتكنولوجيات التعليمية، والتعليم المفتوح، والتعلم النشط، إضافة إلى التعليم عن بُعد وأنماط التعلم المفتوح
لطيفة شهبي
أستاذة محاضِرة بكلية أصول الدين بجامعة عبد المالك السعدي بالمغرب. وهي عضو في كرسي الإيسيسكو للتعليم المفتوح،كما تنتمي إلى شبكة UNITWIN-UNOE الدولية.
استفادت من التكوين ضمن الدفعة الأولى لبرنامج RECOMPES الذي نظمته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار بشراكة مع منظمة الإيسيسكو في أبريل 2025. تنصب اهتماماتها البحثية على تقاطعات الأدب والرقمنة والبيداغوجيا مع تركيز خاص على تحولات الكتابة والقراءة في البيئة الرقمية. وقد نشرت عدداً من الدراسات العلمية حول الأدب الرقمي وأشكال السرد التفاعلي، مستكشفة أبعادها المعرفية والبيداغوجية.
لبنى تغزاز
لبنى أستاذة محاضِرة بكلية العلوم بجامعة محمد الخامس بالرباط، المغرب. وهي عضو في كرسي الإيسيسكو للتعليم المفتوح وفي شبكة UNITWIN-UNOE. وتشغل كذلك منصب كاتبة عامة لمؤسسة ابن رشد للنهوض بالبحث العلمي والابتكار والتنمية المستدامة، حيث تسهم بفاعلية في تطوير مبادرات ومشاريع علمية تروم تعزيز البحث العلمي، ودعم الابتكار، وتوطيد التعاون الأكاديمي الدولي، لاسيما في مجالات التعليم والتنمية المستدامة.
آلان ليفين
آلان ليفين باحث وفاعل دولي في مجال التعليم المفتوح، وينتمي إلى منظمة Open Education Global. ومنذ سنة 1993، حين قام بربط خادم Mac SE/30 بشبكة كليات ماریکوبا المجتمعية، ظل منخرطاً في تطوير الويب وفي تعزيز ثقافة الانفتاح المعرفي. يشغل حالياً مدير الانخراط المجتمعي لدى منظمة التعليم المفتوح العالمي (Open Education Global)حيث يعمل على دعم الممارسات التربوية المفتوحة وتشجيع ثقافة مشاركة المعرفة. ويركّز في جهوده على إبراز قيمة المبادرات التعليمية التي تقوم على تقاسم الموارد والأفكار والخبرات، بما يسهم في بناء تعليم أكثر انفتاحاً وتعاوناً وإتاحة للجميع.
Illustration: Remix réalisé par la Chaire UNESCO RELIA
à partir de l’œuvre Support Your Fellow Human
de Dumitru Ochievschi. Licence Creative Commons CC BY-NC-SA 4.0
يخترق الحكم مجمل التجارب الإنسانية عن طريق تنظيم علاقاتنا وتوجيه اختياراتنا، كما يؤثر في الطريقة التي ندرك بواسطتها ذواتنا وتواصلنا مع الآخرين. وإذا ما انتقلنا صوب المجال التربوي، يصبح الحكم واقعا بصورة دائمة. وقد يكون صريحا وكثيرا ما يحضر بشكل ضمني، غير أنه يمارس تأثيرا قويا في أنماط السلوكيات، والخطابات، والقرارات المهنية
وعلى هذا الأساس، يمكن أن يصير الخوف من الحكم لدى المتعلمين حقيقة معترف بها على نطاق واسع، وذلك لما له من أثر في كبح المشاركة الشفوية وتثبيط الخطأ، وتعزيز النزعة إلى الامتثال. وفي المقابل، نجد ما يسمى الخوف من الحكم لدى المدرّسين بصورة نادرة، فعلى الرغم من أنهم يترددون أو يؤجلون أو يتخلّون عن تقاسم ممارساتهم البيداغوجية في سياقات تربوية عديدة خشية التقييم من لدن الزملاء، أو الخوف من المحاسبة المؤسسية، أو الدخول في المقارنة وفق معايير ضمنية لـ”البيداغوجيا الجيّدة”. ولعل هذا الصمت المهني يثير تساؤلات عديدة، وخصوصا حين يتعايش مع خطابات مؤسسية تشجع على الابتكار والتعاون والتشارك. فلماذا تظل ممارسات عديدة غير مرئية؟ ولماذا تبقى تجارب تربوية عديدة حبيسة فضاء القسم؟
الحكم بوصفه تجربة إنسانية كونية
يعدّ الحكم قدرة إنسانية أساسية بوصفها فعلا تمييزا يتيح الفهم والمقارنة وإضفاء المعنى على التجربة؛ إذ لا يمكننا أن ننتج تفكيرا أو قرارا من دون الحكم؛ لأنه مكون جوهري من مكونات التجربة الإنسانية
غير أنّ الحكم يتجذّر دائما في العلاقة بالآخر وفي الإطار الاجتماعي، وبالتالي لا يمكن أن يظل حبيس العملية العقلانية الخالصة؛ فهو قد يدعم ويُقِرّ كما قد يُقصي ويُهمّش وقد يفتح أفق الفهم، فضلا عن احتمال اختزاله داخل تصنيفات جامدة. تشير الفيلسوفة حنّة آرندت بأنّ الحكم يفترض التفكير مع مراعاة تعدّدية وجهات النظر (آرندت.1961). وحين يختفي هذا التعدد يفقد الحكم طابعه الدلالي ويغدو أداة للتطبيع والامتثال
الحكم والتعرّض للحكم في الفضاءات التربوية
يمارس الحكم حضوره من خلال عمليات التنقيط والتقويم والتفتيش في الفضاءات التربوية، كما يظهر في التفاعلات غير الرسمية بين الزملاء، والاجتماعات البيداغوجية، وبرامج التكوين. ذلك أن كل ممارسة تربوية يمكن أن تصبح موضوعا للملاحظة والمقارنة والتعليق. وتبعا لهذا السياق، يحتل المدرّسون موقعا إشكاليا؛ فهم من يُقوّمون ومن يُقوَّمون في آن واحد. بل وتخضع طرق تدريسهم ومبادراتهم الابتكارية، أو حتى محافظتهم على أساليب تقليدية، لنظرات متعددة وغالبا ما تكون ضمنية؛ حيث يفرض هذا الانكشاف المستمر حالة من اليقظة الدائمة؛ وعليه، تصبح مشاركة أي ممارسة بيداغوجية هو الدخول في التعرض والاعتراف بصعوبة بما يعنيه ذلك من احتمال تأويله ضعفا، فالابتكار يقتضي الخروج من الإطار الجاهز النمطي وما يرافقه من اللايقين. ومع مرور الوقت تتشكل وضعية حذر تقود إلى الصمت البيداغوجي

Pixabay image by geralt free for use under Pixabay Content License
الخوف من الحكم وحدود التعبير والتشارك البيداغوجي
لا يظهر الخوف من الحكم في الغالب بشكل مباشر، وإنما يتخذ هيئة الصمت، والانسحاب التدريجي، واستراتيجيات التجنّب. كما ينشئ مناخا وقائيا يُقدَّم فيه التحفظ على الجرأة في التعبير في السياقات التربوية. وقد أبرز آلان ليفين هذا الواقع سنة 2013 من خلال تجربة” MOOC التكنولوجيا التعليمية والإعلام”
MOOC (ETMOOC)Educational Technology and Media MOOC (ETMOOC)
حيث عبّر المشاركون في الغالب عن تخوفهم من ملكات الحكم أو المقارنة أو التقييم خلال تقاسم ممارساتهم التربوية. وتبيّن أنّ عوائق التشارك لا تعود أساسا إلى نقص في الكفايات التقنية، بل إلى هشاشة رمزية ترتبط بنظرة الآخرين

Barriers to sharing encountered by participants in the February 2013 ET MOOC webinar. Image: Alan Levine, CC BY. A message in response to these expressions is presented in Derek Sivers’ video (transcript available).
ويصبح تقاسم الممارسة- بالنسبة إلى عديد من المدرّسين -عبارة عن كشف لجزء من الهوية المهنية بما فيها تلك طبيعة الاختيارات والمحاولات والحدود. ولاسيما في مؤسسات يغلب عليها منطق التقييم والمقارنة الضمنية؛ إذ يُنظر لهذا الكشف بوصفه مجازفة وليس خوفا من النقد فحسب، وإنما نوعا من الاختزال في صورة نمطية. وتتفاقم هذه المخاوف جراء معايير بيداغوجية ضمنية تروّج لنماذج مثالية لـ”التدريس الجيد”، مادامت تترك هامشا ضيقا للممارسات العادية والسياقية غير المكتملة. ووفقا لتحليلات ميشيل فوكو، فإن الحكم حين يدمج في آليات الضبط والتطبيع يقود بالضرورة إلى استبطان النظرة التقييمية، بما يفضي إلى رقابة ذاتية تعيق التشارك البيداغوجي (فوكو، 1975)
الصمت البيداغوجي وكلفته على المدرّسين والمتعلّمين
لا يقتصر أثر الصمت المهني على المدرّسين وحدهم، بل يمتدّ إلى المتعلّمين؛ فعندما يتردّد المدرّسون في التشارك أو التجريب أو مساءلة ممارساتهم، يميل التعليم إلى الجمود، ويتقلّص التسامح مع الخطأ، وتضعف الإبداعية، ويتصلّب مناخ القسم. وهكذا ينتقل الخوف من الحكم بشكل غير محسوس إلى المتعلّمين، فيتحوّل الفضاء التربوي إلى مجال للامتثال؛ حيث يُقدَّم الجواب الصحيح على التفكير المشترك، ويُهمَّش التعلم القائم على التساؤل والتجريب
التعليم المفتوح: نحو تحويل طبيعة الحكم

Pixabay image by geralt free for use under Pixabay Content License
يبرز التعليم المفتوح تبعا لهذا السياق بوصفه استجابة ممكنة لمناخ الحكم السائد في المؤسسات التربوية. فهو لا يختزل في الأدوات الرقمية أو الموارد التعليمية المفتوحة، وإنما يمثّل تحوّلا ثقافيا عميقا في فلسفة التعليم يتأسس على الثقة والحوار والتعلّم التشاركي
إن التعليم المفتوح يعيد النظر في فكرة الممارسة البيداغوجية المثالية والموحّدة؛ ذلك أنّ كل ممارسة هي ممارسة سياقية ترتبط بخصوصيات المتعلّمين وبإكراهات المؤسسة، وكذا بظروف العمل التربوي. ويسهم هذا الاعتراف بالتنوّع في التخفيف من الخوف من الحكم، وفي إضفاء شرعية على الممارسات العادية وغير المكتملة. وهنا لا بد من التأكيد على أن التعليم المفتوح يُغيّر طبيعة الحكم من خلال إعادة تشكيل فضاءات وآليات التشارك؛ فلا يستطيع أن يستهدف الحكم الامتثال لمعيار جاهز في المدوّنات البيداغوجية ومجتمعات الممارسة المفتوحة، والمشاريع التعاونية، وإنما يسعى إلى فهم المسار وتحليل التجربة. وهنا تتحوّل التغذية الراجعة إلى تعليقات وتساؤلات واقتراحات تطوير، بدل تقويمات هرمية تصنيفية
وتعدّ مدوّنةWhy Do We Learn Today? Insights from Moroccan Students , المنجزة في إطار مشروع UNOE Students Project التابعة لكرسي الإيسيسكو في التعليم المفتوح، نموذجا دالا على طبيعة هذا التحوّل؛ حيث نجحت هذه المبادرة قدرة المدوّنات الطلابية المدعومة بالذكاء الاصطناعي على إحداث دينامية جديدة في التعليم العالي عن طريق التشارك، والتفكير النقدي، والتعلّم الجماعي؛ إذ لا يتم -في هذا الفضاء- إلغاء الحكم، وإنما يُمارَس بشكل صريح، معلَّل، وسياقي دون ترتيب هرمي أو منطق تنافسي، وذلك في انسجام مع فكر باولو فريري القائم على الحوار وبناء المعرفة المشتركة (فريري،1970).
بناء فضاءات آمنة من أجل تشارك تربوي أصيل
تتّخذ الفضاءات الآمنة في إطار التعليم المفتوح أشكالا عديدة كما هو الأمر في مجتمعات الممارسة بين الأقران، أو المدوّنات التأملية المفتوحة والمضبوطة، أو الندوات التعاونية غير التقويمية، أو منصّات التشارك الخالية من التنقيط والترتيب. ذلك أن خصوصيتها لا تكمن في بنيتها التقنية وإنما تكمن في طبيعة القيم التي تؤطّرها كما هو المثال في الإحسان الصريح، وحق الخطأ، والاعتراف بتنوّع السياقات، وتعليق الحكم المعياري. لذا، تُمكّن هذه الفضاءات المدرّسين من جعل ممارساتهم مرئية بما فيها الممارسات غير المكتملة أو التجريبية دون خوف من الإقصاء أو الوصم المهني. ويغدو الحكم داخلها حواريا وتكوينيا، وموجّهًا نحو التحسين المستمر
ولهذا يصبح الحكم حتميّا في كل ممارسة إنسانية، غير أن يتميز بخاصية عدم الثابت في صوره ووظائفه. وحين يُمارَس بشكل معياري ضمني، فإنه يعزل ويُقيّد ويُفقِر التجربة التربوية. أمّا حين يُعاد التفكير فيه داخل أطر مفتوحة وتشاركية، فإنه يُنير، ويُرافق، ويُسهم في النمو المهني والجماعي. وبناء على ما سبق، يمكن القول إن التعليم المفتوح يوفّر للمدرّسين إطارا يسمح بالمصالحة بين الصرامة والإنسانية، وبين الابتكار والأمان، وبين الحكم والاعتراف. وذلك من خلال إعادة بناء العلاقة مع الحكم؛ إذ يفتح هذا التوجه إمكانات جديدة لتقاسم صادق يتسم بخاصيات الانتظام، وبإبداعية منتجة للممارسات البيداغوجية بهدف بناء تعليم يتيح تحقيق عدالة تربوية أكثر حيوية بصيغة جماعية
——-
Bibliographical references
Arendt, Hannah (1961). Between Past and Future: Eight Exercises in Political Thought. New York : Viking Press.
Foucault, Michel (1975). Surveiller et punir. Naissance de la prison. Paris : Gallimard.
Freire, Paulo (1970). Pédagogie des opprimés. Paris : Maspero.
Levine, Alan (2013). What Are the Barriers? Reflections on Sharing Practice in Open Online Learning. Educational Technology and Media MOOC (ETMOOC). Ressource en ligne sous licence Creative Commons (CC BY).
——-
التعاون بما يتجاوز حدود اللغات: مساهمة آلان ليفين
أبدى آلان ليفين اهتمامًا كبيرًا بالمساهمة في هذا المقال، غير أنّه تبيّن له أنّ الموضوع كان قد حُجز مسبقًا وبدأ الاشتغال عليه باللغة الفرنسية. وبالنظر إلى أنّ مهاراته في القراءة باللغة الفرنسية لم تتطوّر كثيرًا منذ المرحلة الثانوية (مع الاعتذار للأستاذ ريفكن)، فقد اعتمد على أداة «غوغل للترجمة» من أجل التواصل والتعاون مع المؤلّفين والمؤلّفات المشاركين. وتُبرز هذه التجربة إمكانات الترجمة الآلية بوصفها وسيطًا معرفيًا يتيح تجاوز الحواجز اللغوية، ويعزّز أشكالًا جديدة من التعاون العابر للغات
— آلان ليفين
هذا المقال جزء من سلسلة: ”المشاركة تحدي“، التي نُشرت على مدار شهر مارس 2026، بالتعاون مع كرسي اليونسكو RELIA وشبكة Euniwell.
النشرة الإخبارية: إذا كنت ترغب في تلقي المقالات يوميًا مباشرة في بريدك الإلكتروني، لا تتردد في الاشتراك في نشرتنا الإخبارية.
ترجمة: تمت كتابة هذا المقال باللغة الإنجليزية. هذه الترجمة، التي تمت باستخدام أدوات آلية ثم تمت مراجعتها من قبل فريقنا، قد تحتوي على بعض الأخطاء. يرجى إبلاغنا بأي أخطاء.

تظل النية الفنية الأصلية هي نية الفنان وقد تختلف عن النية التحريرية لإعادة صياغتنا. نشكر Dumitru Ochievschi على مشاركة عمله بموجب ترخيص مفتوح CC BY-NC-SA 4.0.
“
التعليم المفتوح وإعادة التفكير في الممارسات التعليمية: من الـحكم إلى المشاركة
” de Latifa Chahbi, Loubna Terhzaz, Khalid Berrada & Alan Levine est sous licence CC BY 4.0

